السيد نعمة الله الجزائري

144

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

قربا من أحدهما ازداد بعدا من الآخر ، وفي رواية ابن أشناس المزيد بدل التوبة وهو ظاهر . « ولا تخلّ » بضم التاء وفتح الخاء وتشديد اللام المكسورة من باب التفعيل ، وفي ش فتح التاء والخاء من التفعل بإسقاط إحدى التائين بمعنى الأول تقول خليت زيدا وتخليته ، وفي أصل نسخة ش كما قيل بفتح التاء واللام المشددة وكسر الخاء ولا معنى له إلا أن يقال بأخذه من الخلال أي لا تخرج نفسك عن أن تكون خلالا بين أنفسنا ومراداتها ، ويؤيده نسخة وحل بدل قول ولا تخل وهو من البعد بمكان والحيلولة عبارة عن منح الألطاف الإلهية وإلّا لزم ما قاله المجبرة . « أمّارة بالسّوء إلّا ما رحمت » اقتباس مما حكاه سبحانه عن يوسف عليه السّلام أو عن زليخا والأول هو المشهور ، وما إما بمعنى من ، أي إلا الشخص الذي عصمته ورحمته بأسباب التوفيق ، وإما بمعنى المصدر ، أي إلا مدة رحمتك هذا . واعلم أن للنفس في سيرها إلى اللّه تعالى مراتب . الأول : أن تكون في مقام الغفلة والانكباب على الشهوات ومقارفة السيئات فتسمى فيها الأمّارة لأنها كثيرة الأمر بالسوء والشهوة . الثانية : إذا تيقظت من سنة الغفلة بما أفيض عليها تفكرت وتندمت ولامت نفسها على ما صدر منها في المرتبة الأولى فهي في هذه المرتبة تسمى اللوامة ، وقد أقسم بها في قوله سبحانه : لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ لزيادة لا في المشهور . الثالثة : أن تترقى بسبب اللوم والندم إلى إلهام ما يقربها ويبعدها من جناب الحق وتسمى الملهمة ، كما قال تعالى : فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ، فهي في هذه المرتبة عالمة عاملة . الرابعة : أنها إذا توغلت في الأعمال الصالحة وقطعت الشهوات ورفعت الموانع أفيض عليها اليقين والصبر على نوائب الزمان ، فتتعاورها النوائب وهي مطمئنة عالمة بأن ما وقع فهو في كتاب من قبل أن يبرأها ، وتسمى في هذه المرتبة المطمئنة والراضية المرضية ، وإليها توجه الخطاب بقوله تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ، وههنا تفصيل آخر لمراتب النفس .